محمد سعيد الطريحي
80
الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه )
المجيدين الذين انبثق على أيديهما فجر النهضة الحديثة ، إذ قاما في البلاط المغولي ببداية النشاط الفني خير قيام ، ثم لم يلبث أن توصل أكبر بفضل عنايته الواسعة إلى معرفة الفنانين الهنود أيضا ، منهم دسونت وبسوان وكلاهما كانا من الهنود أرومة وجاء ذكرهما في حديث أبي الفضل بمزيد التبجيل والاحترام ، وعدهما أيضا من رواد الفن وقد قيل عن دسونت ، انه فاق الأقران طرا ، وعدّ أول رسامى عصره . وأما بسوان فكان ممتازا بتخطيط المنظر الخلفي وتنفيذ الملامح واختيار الألوان وصنع الأشياء ، وما إلى ذلك ، ويقتصر أبو الفضل عن ذكر ميزات جميع الرسامين الذين سبق ذكرهم في « آئين أكبرى » معتذرا بأنه لو أسهب في سردها جميعا لطال بنا الحديث . وعن ولع ( أكبر ) بهذا الفن وما كان يجري له من المراسيم مع الفنانين ندرج ما ورد أيضا ضمن كتابات أبي الفضل ، يقول : إن التصوير هو صنع ما يضاهى شيئا من الأشياء وكان جلالة الإمبراطور مولعا بهذا الفن منذ حداثة سنه . فشجعه أي تشجيع وافرد له كل تسهيل ممكن . والسبب أن هذا الفن كان في رأي الإمبراطور من خير وسائل التعليم وظنه خير ما تشتهيه الأنفس وتقربه الأعين فأصبحت هذه الغرسة بفضل عنايته أصلها ثابت وفرعها في السماء وآتت أكلها من الصيت الذائع لكثير من أهلها . وكانت من دأب الإمبراطور أن يقدم اليه المشرفون والكتاب ( داروغات ) جميع النتاجات الفنية كل أسبوع ، فيأمر لهم بالجوائز حسب احقيتهم بها . ومن ضمن الجوائز أن يأمر لبعضهم بزيادة المرتب الشهري . وأنتج ذلك أن حازت المواد الأولية لهذا الانتاج تقدما ملحوظا وكانت الحاجيات والأشياء المستعملة في العمل تختار من أرقى الأنواع وأجودها من غير نظر إلى ارتفاع ثمنها . فذخر هذا المعهد بنتاج أرفع وأجود منها في العهود السابقة . فحفلت نماذج الرسم والتصوير بالجودة والروعة التي لم يكن لها عهد بها من قبل ، وبرز من مهرة الفنانين من لم يوجد لهم ند ومثيل . فها هي ذخائر الفنون لبهزاد التي لا تقل جودتها وبداعتها من انتاجات الرسامين الأوربيين الذين يشهد العالم بفضلهم ولعمري أنك تجد فيها من الانسجام ودقة الصنع وتوضيح الملامح ، وما إلى ذلك ، مما لم يشهد الفن له مثيلا . وحتى صور الأشياء الجامدة قد يخيل إليك أنها تترقرق حركة وحياة ،